محمد بن أحمد الفاسي
351
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
أو الثلاثاء ؟ فحصل الاتفاق على أن الناس يخرجون إلى عرفة في بكرة يوم الثلاثاء تاسع ذي الحجة ، على مقتضى قول من قال : إنه رئى بالاثنين ، وأن يقيموا بها ليلة الأربعاء ، ويوم الأربعاء ، ففعل معظم الناس ذلك ، ودفعوا من عرفة بعد الغروب ليلة الخميس إلى المزدلفة ، وباتوا بها إلى قرب الفجر ، ثم رحلوا إلى منى بعد رحيل المحامل . والمعهود أنها لا ترحل إلا بعد الفجر ، وكذا غالب الناس ، ففاتهم الفضيلة . وما تعرض لهم في سيرهم من عرفة إلى منى أحد بسوء مما علمناه لعناية أمير الحاج لحراستهم ، وتعرض الحرامية للحجاج المكيين وغيرهم عند مأزمى عرفة في توجههم إليها . وحصل للحجاج هؤلاء قتل ونهب وعقر في جمالهم ، وحصل بمنى نهب كثير في ليلة الأربعاء وليلة الخميس . ومنها : أن في سنة ثمان عشرة وثمانمائة : أقام الحجاج بمنى غالب يوم التروية وليلة التاسع ، ثم مضوا من منى بعد طلوع الشمس إلى عرفة ، وأحيوا هذه السنة بعد إماتتها دهرا طويلا . ومنها : أن في سنة أربع وعشرين وثمانمائة : مات كثير من الحجاج بمنى في ليلة التاسع ، ومضوا منها إلى عرفات بعد طلوع الشمس صحبة محمل مصر والشام . والفاعل لذلك : أكثرهم من حجاج مصر والشام ، وأحيوا هذه السنة ، أثابهم اللّه . ومما ينبغي إحياؤه من السنن بمنى : الخطبة بها في أيام الحج ، فاللّه يثيب الساعي في ذلك . ومنها : أنه لم يخطب بمكة ولا في غيرها لملك أصغر سنا من الملك المظفر أحمد بن الملك المؤيد شيخ ؛ لأنه بويع له بالسلطنة بمصر والشام ، وله من العمر سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام - بتقديم السين - على ما وجدت في تاريخ بعض أصحابنا . وكانت البيعة له : في ثامن المحرم ، سنة أربع وعشرين وثمانمائة ، بعد موت أبيه . واستمر حتى خلع في السابع والعشرين من شعبان ، من السنة المذكورة بدمشق . ومنها : أن الملك الظاهر أبا الفتح ططر ، لم يخطب له بمكة وهو حي ، إلا جمعة واحدة ؛ لأنه خطب له بمكة في يوم الجمعة ثاني ذي الحجة أو ثالثه ، سنة أربع وعشرين وثمانمائة . ومات في الرابع من ذي الحجة ، من السنة المذكورة . واستمرت الخطبة له بمكة حتى وصل الخبر بموته في أثناء شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وثمانمائة ، ولم يتفق ذلك لغيره .